{عدد المشاهدات: 186 }

التنمر وانفلات الأخلاق

التنمر وانفلات الأخلاق .. مقالة للأستاذ الشيخ أحمد علي إدريس تلقي الضوء على موضوع التنمر ومخاطره وعلاجه..

التنمر وانفلات الأخلاق

لفضيلة الأستاذ الشيخ: أحمد علي إدريس

بالأزهر الشريف

 

الأستاذ الشيخ أحمد علي إدريس

(1)

في الآونة الأخيرة أصبحنا نسمع كثيرآ (في وسائل الإعلام وفي مواقع التواصل الإجتماعي) عن مصطلح (التنمر) .. فما هو ؟!

التنمر هو: شكل من أشكال الإساءة والإيذاء، موجه من قبل فرد أو مجموعة نحو فرد أو مجموعة تكون أضعف منهم جسديآ أو أقل منهم إجتماعيآ وثقافيآ.

والتنمر أنواع: منه (التنمر اللفظي)، (والتنمر الجسدي)، (والتنمر بالإيماء)، وهناك( تنمر في العبادة من بعض المسلمين )، وهو إذا ما أطلق أحدهم لحيته وقصر ثيابه تكبر على غيره وظن أنه على صواب وغيره على الخطأ وانه من الفرقة الناجية وغيره مبتدع هالك !

ولقد انتشر التنمر في كل البقاع حتى وصل إلى بلادنا في جنوب الصعيد التي كانت رمزآ في المروءة والأخلاق ! فمنذ عدة أيام سمعنا ورأينا بعض الشباب يتنمرون على مسن عجوز بالألفاظ ويلقونه بالترعة، ومن قبل في سوهاج أيضاً سمعنا عن شاب يركل فتاة بقدمة في وسط الشارع أمام أعين الجميع، ومن قبلهما رأينا في القاهرة بعض الشباب يتنمرون بشاب أسود بالألفاظ ثم يضربونه، وغير ذلك من الحالات لا يسع المقام لذكرها !

فالتنمر سلوك غير أخلاقي لا يصدر إلا من شخص عديم الأدب والأخلاق جعل الله على قلبه غشاوة فلم يهتدي ولم يتق دعوة الشخص المتنمر الذي لربما لو أقسم على الله لأبره كما أخبرنا حبيبنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقال: (رُبَّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرَّه) رواه مسلم .

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (الحجرات: 11).

فالله سبحانه وتعالى نهى المؤمنين عن السخرية من الآخرين مهما كانت صفاتهم وأوضاعهم، فلعل مَن يُسخَر منه ويُنظَر إليه نظرة احتقار واستخفاف خيرٌ وأحب إلى الله من الساخر الذي يعتقد بنفسه الكمال، ويرمي أخاه بالنقص ويعيِّره.

ـ نهى الله تعالى المؤمنين عن تبادل الشتائم، والتهاتر بالألفاظ القبيحة، لأن ذلك يوقع البغضاء بينهم، ويتجه بهم إلى منزلقات الجاهلية.

وبذلك يضع الإسلام قواعد اللياقة الاجتماعية والأدب النفسي للتعامل في المجتمع الإنساني الفاضل الكريم. ففى صحيح مسلم: عن ‏جابر‏ رضي الله عنه قال:‏ ‏سمعت النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يقول‏: “‏المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”..

‏وفى سنن ابن ماجه: ‏عن ‏ ‏أبي هريرة رضي الله عنه‏ ‏أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏قال: ‏“‏حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم”.

‏واختم حديثي مع حضراتكم بهذه القصة التي حدثت بين الصحابيين الجليليين سيدنا أبو ذر وسيدنا بلال رضي الله عنهما، ‏حين قال سيدنا ﺃﺑﻮ ﺫﺭ لسيدنا بلال: ﺣﺘﻰ ﺃﻧﺖ ﻳﺎ ﺍﺑﻦ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﺀ ﺗﺨﻄﺌﻨﻲ؟!

ﻓﻘﺎﻡ ﺑﻼﻝ ﻣﺪﻫﻮﺷﺎً ﻏﻀﺒﺎﻥ ﺃﺳﻔﺎً … ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻷرفعنك ﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ صلى الله عليه وسلم.

‏ﻓﺘﻐﻴﺮ ﻭﺟﻪ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ صلى ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭ ﺳﻠﻢ ثم قال: “‏ﻳﺎ ﺃﺑﺎ ﺫﺭ، ﺃﻋﻴﺮﺗﻪ ﺑﺄﻣﻪ ؟! ﺇﻧﻚ ﺍﻣﺮﺅ ﻓﻴك ﺟﺎﻫﻠﻴﺔ !!

‏ﻓﺒﻜﻰ ﺃﺑﻮ ﺫﺭ وقال: ‏ﻳﺎﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ، ﺍﺳﺘﻐﻔﺮ ﻟﻲ. ﺛﻢ ﺧﺮﺝ ﺑﺎﻛﻴﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ .. وأتى ابو ذَر ﻭﻭﺿﻊ ﺧﺪﻩ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺮﺍﺏ .. وقال: ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻳﺎ ﺑﻼﻝ ﻻ أﺭﻓﻊ ﺧﺪﻱ ﻋﻦ ﺍﻟﺘﺮﺍﺏ ﺣﺘﻰ ﺗﻄﺄﻩ ﺑﺮﺟﻠﻚ، ‏ﺃﻧﺖ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻭﺃﻧﺎ ﺍﻟﻤﻬﺎﻥ !!
‏ﻓﺄﺧﺬ ﺑﻼﻝ ﻳﺒﻜﻲ . ﻭاﻗﺘﺮﺏ ﻭﻗﺒﻞ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺨﺪ، ‏ﻭﻗﺎﻝ: ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻻ أﻃﺄ ﻭﺟﻬﺎً ﺳﺠﺪ ﻟﻠﻪ ﺳﺠﺪة ﻭﺍﺣﺪة، ﺛﻢ ﻗﺎﻣﺎ ﻭﺗﻌﺎﻧﻘﺎ ﻭﺗﺒﺎﻛﻴﺎ !!

(أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وغيره)

ويا رب علمنا الأدب .

(2)

التنمر أسلوب محرم دينيآ ومرفوض اجتماعياً لأنه يؤدي إلى مشاكل كثيرة بينها أطباء علم النفس منها:

1- أنه يؤدي إلى مشاكل نفسية وعاطفية وسلوكية كالاكتئاب والشعور بالوحدة والقلق والانطوائية .

2- قد يلجأ الفرد المتنمر عليه إلى السلوك العدواني فيصبح مجرماً أو شخصاً عنيفاً نتيجة التنمر عليه.

3- الشخص المتنمر عليه قد يشعر بالنقص فيزداد في الانطوائية وينعزل عن المجتمع.

4- قد يوصل التنمر الضحية إلى الانتحار كما أثبتت بعض الدراسات.

5- الشخص المتنمر عليه قد يشرب المخدرات.

6- وقد لا يحترم ذاته.

والتنمر محرم دينيآ أيضاً كما ذكرت من قبل، ويكفي فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم : “من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه وإن كان أخاه لأبيه وأمه” رواه مسلم .

ولعلاج مشكلة التنمر:

  • لا بد أن تضرب الدولة بيد من حديد على المتنمرين بمعاقبتهم عقابات رادعة سواء بالحبس أو بتوقيع الغرامات عليهم .
  • أن تقوم الأسرة بدورها بتربية أبنائها تربية دينية سليمة.
  • أن يقوم الإعلام بدوره باستضافة العلماء ليبينوا للناس حرمة التنمر وآثاره .
  • تثقيف المجتمع .
  • ‏تقديم الدعم للمتنمر عليهم .
  • وأخيرآ لابد وأن نرجع إلى الله ونتوب إليه بالعودة إلى “حسن الخلق “، فبحسن الخلق يصل الإنسان المسلم إلى درجة الصائم القائم، وبحسن الخلق يكون المسلم أقرب الناس مجلسآ من النبي صلى الله عليه وسلم، وبحسن الخلق يكون المسلم من أحب عباد الله إلى الله..
تعليقات Facebook