{عدد المشاهدات: 195 }

دندنات حول الحمى الروحاني والدعوة الربانية

كلمة الرائد: دندنات حول الحمى الروحاني والدعوة الربانية، نفحات من فلسفة الدعوة وتبسيط الفكرة

كلمة الرائد:

(للإمام محمد زكي إبراهيم رحمه الله)

 

المسلم : رسالة الوعي الإسلامي

بسم الله، حمداً وشكراً، وصلاة ودعاء

 

بينَ عامينِ راشدينِ

دندناتٌ حَولَ الحمى الروحاني والدَّعْوةِ الرَّبانيَّةِ

نفحاتٌ مِنْ فلسفةِ الدَّعْوةِ وتبسيطِ الفكرةِ

تقديم ٌوبيانٌ:

باسم الله، وعلى بركته، وبتوفيقه ونعمته، نستفتح العام الثاني من حياة (مجلة العشيرة المحمدية)، ففي مثل هذا الشهر من العام الماضي، أصدرت (العشيرة المحمدية) مجلتها باسم (الخلاصة)، وفي ربيع الآخر من العام نفسه أصدرت مجلتها باسم (العمل)، وفي شعبان هذا العام استقر الوضع على صدور (المسلم) لسانًا لهذه الدعوة الربانية المطهرة، فإذا كانت السنة الأولى من عمر مجلة العشيرة تحت اسم (المسلم) لم تكمل بعد، فإنَّ عمر مجلة العشيرة تحت الأسماء الثلاثة قد استقبل عامه الثاني بإذن الله.

ومجلة (المسلم) التي قامت بوظيفتها فيما مضى كصوت لدعوة العشيرة المحمدية، ستقوم إن شاء الله بوظيفتها من هذا العدد، كلسانٍ للعشيرة والطريقة معًا وليس ثمت خلاف يذكر بين الدعوتين، فقد جمعت بينهما الفكرةُ الربانية، وقد اتفقتا على الأصول والأهداف أخذًا من النبع الأصفى، فالدعوةُ الرَّبانيةُ التي تدعو إليها العشيرة والطريقة ترتكز على أصلين اثنين لا ينهض أحدهما بغير الآخر.

الأصل الأول:

أمَّا أحدهما: فخدمةُ الوحدة الإسلامية ومقتضياتها، من توحيد القيادة والسياسة والاقتصاد وما يتعلق بهذا، من حيث إنَّ المسلمين أمةٌ واحدةٌ، وما دامت عقيدتهم الأساسية واحدة، فمبادئهم واحدة، وما دامت قبلتهم واحدة، فغايتهم واحدة، وما دامت وظيفتهم واحدة فدعوتهم واحدة، وصدق الله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [الأنبياء: 92].

الوحدةُ شأنهم الأزليُّ: فإلههم واحد، ونبيُّهم واحدٌ، وقرآنهم واحدٌ، وتاريخهم واحدٌ، وهدفهم واحدٌ، فهُم جسدٌ واحدٌ، أو كالجسد الواحد!!

لا يفقدون مميزاتهم الذاتية، تحت سلطان سنن الكون وطبائعه الأزلية ـ إن فقهوا ـ فلا يمكن أن يفرقهم لونٌ مذهبيٌّ، ولا اعتقادٌ فرعيٌّ، ولا يتعادون على خلاف اجتهادي، ولا يغيرهم وضع جغرافي، ولا حكم سياسي، ولا زيٍّ قوميٍّ، ولا يعيبهم تعددُ الجماعات ولا تنوع العبادات، ما داموا في ظلِّ الشهادتين يعيشون!! وفي كنفهما يجتمعون ويفترقون!!

هذا هو الأصلُ للدعوة الرَّبانية، ومن هنا جاء كفاحنا الموصول لدعوة الهدم والتدمير والتخريب المتمسلمة، التي تقسم (أهل القبلة) إلى طائفة موحدة، وأخرى مشركة فتستبيح دمها ونساءها وأموالها، على حين أنها هي الكثرة الكاثرة، والجمهور الأغلب منذ كان الإسلام، ومعنى هذا أنَّ المسلمين حقًّا لم يعدوا أن يكونوا فرقة الوهابية ومن والاهم عُلوًّا وسُفلاً، أما من سبقهم ومن جاء بعدهم ممن لا يدين بدينهم، فليس من المسلمين ولو كان من أصحاب محمد – صلى الله عليه وسلم -، وبالتالي يكون المجدُّ الإسلاميُّ السَّالف كله في تاريخه المنوع، منسوبًا إلى طائفة مشركة تدَّعي الإسلام، ويكون جهاد المسلمين الحالي إنما هو عن طائفة مشركة، وبهذه ينكمش الإسلامُ في قطيعٍ من خراف الإنسانية بصحراء الجزيرة كله عار وشنار.

ومن هنا كان اهتمام المستعمرين بتغذية هذا المذهب وتقويته، فليس شيء أفعل منه في تقويض صرح الإسلام وتأخره وجموده وضعفه، وخصوصًا أنه يدعو إلى الوثنية الباطنية في ثوب كفاح الوثنية الظَّاهرية، ويقدم لأعداء الإسلام أشنع سلاح ضدَّ الإسلام بعد هذا بتحقير أئمته، والزراية برجاله واستنقاص مشاهيره، بدءًا من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – المعصوم وانتهاء بآخر رجل يؤمن بالغيب، ويتأدب مع الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم -، من عامة أهل الشهادتين، ولهذا كان اعتناق هذا المذهب إجرام من الوجهة العامة، وإجرام أفحش من الجهة الخاصة لأنه دعوة إلى دولة أخرى في سياسة عميقة خطيرة باسم الدين المظلوم.

وهذا كما قلنا هو سبب اهتمامنا بكفاح هذه الدعوة الفاجرة التي لم يعرف في تاريخ الإسلام أخطر منها على الإسلام.

فالوحدةُ الإسلاميةُ هي حياةُ الإسلام ومِلاكُ أمره، وجِماعُ شرفه، وبغير هذه الوحدة لن يتهيأ للمسلمين تركيزُ راية الحق، حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله، ولن يتهيأ لهم إدراك العزة التي كتب الله للمؤمنين، ولن يتهيأ لهم ميراثُ الأرض التي وعد الله عباده الصالحين، ولن تتحقق لهم الخيرية على أمم الأرض، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولن يتسنى لهم الحصول على شرف الشهادة الكبرى على الناس.

وما ذلَّ المسلمون إلا منذ أن تفرقوا على الفرعيات فجعل الله بأسهم بينهم.

الأصل الثاني:

أمَّا الأصلُ الثاني للدعوة الرَّبانية، فهو الجانبُ الإلهيُّ، وهذا الجانب أساسه الإيمان بالغيب، الذي هو أول صفات المتقين التي سجَّلها الله بأول آياته في أول سور قرآنه الكريم.

وليس معنى الإيمان بالغيب هو تعاطي أساليب التخريف والتمخرق، واعتناق الخزعبلات والبدع، ولكن معناه القيام بواجب الاعتراف بعجز العبودية عن الإحاطة بأسرار الربوبية، وإحسان الظنِّ بما لم تدركه الفهوم، من طوائف الممكنات، وهذا المعنى وحده هو قطب رحى الثقة بالله وهو سبب حبه، والاعتماد عليه، وإجلاله، والتفويض إليه، والودِّ معه والعلاقة به، وهذه الخلال بدورها هي مقومات الحقيقة الإنسانية الكاملة، والإنسانية الكاملة هي هدف الحياة وغايتها، وهي (المحمدية) التي ندعو إليها.

إنَّ العلاقة بالله تعالى تستوجب ذكره والتفكر في ملكوته، والحكم بما أنزله.

ولذكره تعالى خصائصُ الأنس به، والقرب منه، والتمتع بحضرته، والاستمداد من نفحاته، وهذه الخصائص بطبعها تقضي على مجاميع الأمراض النفسية، والعلل الشخصية والاجتماعية كما قال تعالى: {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: من الآية28].

فذكره تعالى علاج للأمراض الحسِّية كرقية على الأقل، وللأمراض المعنوية كتحليل على الأقل أيضًا، وللتجربة في ذلك قوة التواتر المقطوع به، فضلاً عن إفاضة البركات والأمداد والخوارق المعجزة، والحفاظ على المعاني الرفيعة في شخصية الإنسان، وللتفكر في ملكوته تعالى خصائصُ الاستمداد والاستلهام والإشراق الذي ينال منه كُلُّ إنسان بحسب استعداده، فهذا التفكر هو طريق التجويد، والفلسفة والتجديد، والابتكار، واكتناه الأسرار، وهو طريق تقدم ركب الحياة المادية والروحية ومنبع الإبداع والاختراع وترقية الأوضاع.

وبالذكر والفكر تتعانقُ الحياة المادية والرُّوحية معًا، وتقدم كُلٌّ منهما للإنسان من نفسها ما لا يطغى على حقِّ أختها، فيستقيم الميزان، وترتقى الأكوان، ولا يتدهور الإنسان، ولأمر ما حبب تعالى في ذكره والتفكر في خلقه، حتى جعل جزاء ذكر العبد ذكر الرب له، وحتى جعل التفكر في خلق السموات والأرض من خصوصيات أولى الألباب.

ومن هنا يتضح معنى تكريم الله للإنسان، وتسخير ملكوته له، وتذليل الأكوان لأسراره الكبرى فيه، وكيف أَسجدَ له في الأزل ملائكته، ولماذا خلق له ما في الأرض جميعاً، ولأي سرٍّ علمه الأسماء كلها، وبأي تشريف خصَّهُ حين خلقه بيديه حتى كان أهلاً للأمانة التي أشفقت منها السَّمواتُ والأرضُ والجبال.

فإذا ارتقى الإنسانُ إلى هذا المستوى الرفيع، كان بالله أخذُهُ، وبالله ردُّهُ، وبالله حركتُهُ، وبالله سكونه، وبكتاب الله استمساكه، وبآيات الله حكمه، وبما أنزل الله اعتصامه، وبقيومية الله حياته، فمهما يكن عمله وحرفته فهو بالغ بهما منتهى مراتب المجد تعبدًا لله وزلفى إليه وقيامًا بحق الوظيفة التي خصَّ الله بها الإنسان وجعله من أجلها خليفة في الأرض.

وإذا كانت الخلافة ميراثًا عامًّا لبني آدم، فهي مع هذا خصوصية من خصوصيات المسلمين، وتظل ترقى هذه الخصوصية حتى تكون خالصة لأهل المعرفة بالله، فكلما قرب العبد من الله كلما أشرقت فيه معاني الخلافة، فالرجلُ الإلهيُّ لا يسوى في خلافته بالرجل الشَّيطانيِّ، والأولُ هو الذي أراد الله، والثاني إنما كان ليميز الله الخبيث من الطيب، وبضدها تتميز الأشياء.

طبيعة الدعوة:

ولهذا كله كانت طبيعة هذه الدعوة أن تبدأ من الداخل، ومن الباطن، من القلوب؛ لأنها ليست قشرية، ولا سطحية، فهي من الأعماق تبدأ وإلى الأعماق تنتهي، وكان لابدَّ من السَّير بها فردية (مكية)، حتى إذا وجد أهلوها وزمانها، وانقلبت بطبعها جماعية (مدنية)، فكذلك كانت (الدعوة المحمدية) في الحياة النبوية، وكذلك كان الإصلاح المحمدي روحيًّا أولاً، قائمًا على أساس: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: من الآية11]، فوجب على طالب الإصلاح الحقِّ، أن يبدأ من حيث بدأ مولانا المصطفى المعصوم – صلى الله عليه وسلم -، وأن يقف عند حدِّ الآية فيصلح ما بالنفوس بادئًا، حتى يتهيأ له إصلاح ما بالأكوان على أساس إصلاح النفوس، وإلا كان جهده مُضاعًا، ووقته مهدورًا، وكانت دعوته عبثًا زائلاً، وبناء على الماء يضرُّ ولا ينفع.

إنَّ الدعوة المحمدية ترمي إلى الارتفاع بمعنويات الجمهور وردِّهِ إلى الحقيقة العلية في إنسانيته، واستغلال روحانيته في بناء النهضة، والقيام بحركة الإصلاح والتطهر، وبعبارة موجزة ” المحمدية هي إدماج التسامي الروحي في الحياة العملية، وقيادة ركب الحياة إلى معالي الأمور ” فلا خلاف عليها بين عشيرة وطريقة، ولا بين هيئة عاملة لله وهيئة أخرى.
هل فهمت؟!

  • كلمة الرائد/ غرة المحرم (1371هـ) ـ أكتوبر (1951م)، العدد السادس ـ السنة الأولى.المسلم : رسالة الوعي الإسلامي

المسلم : رسالة الوعي الإسلامي

تعليقات Facebook