{عدد المشاهدات: 271 }

ولأبـي صـــالح الجيـــلاني.. كتــاب

رحلة في كتاب (فتوح الغيب) للإمام عبد القادر الجيلاني

ولأبـي صـــالح الجيـــلاني.. كتــاب

للعلامة المربي الدكتور عيادة بن أيوب الكبيسي

أستاذ التفسير وعلوم القرآن

رحمه الله تعالى

 

المسلم : رسالة الوعي الإسلامي

 

أن يظلم المرء من خصومه، أمر طبعي لا غرابة فيه، لكن أن يظلم من أهله ومحبيه، أمر في غاية الغرابة، وهكذا كان التصوف الإسلامي!!.. إنه ظلم من الجهتين، من خصومه الذين عادوه عن جهل وعن علم، بنية حسنة وأخرى سيئة، ومن بعض المنتسبين إليه، وبعض المحبين له، وهذا هو موضع العجب!!

وإذا كان بين الفريق الأول من ينطوي على بغض أو حسد أو عناد أو مكابرة، (نية سيئة)، فإن الفريق الثاني لا ينطوي إلا على شئ واحد وهو الجهل، والجاهل كالأحمق يريد أن ينفعك فيضرك!!

وقد أدرك رجال التصوف الصادقون هذا، فحذروا من قطاع الطريق، وهم هؤلاء الجهلة، والمدعون ممن اندسوا بين الصوفية وليسوا منهم.

والجهل والنفاق مما ابتليت به هذه الأمة، فأصاب منها مقتلاً، وأحدث في وحدتها شرخاً، أدى إلى تمزيق الصف، وتفريق الكلمة، وتصدع البنيان، ولم تزل الأمة تعاني منه حتى أيام الناس هذه.

ولكن مع الضرر البالغ الذي لحق الأمة من ذلك الكابوس الخطير، فإنه لم يؤثر ـ بحمد الله تعالى ـ على الكوكبة الصادقة من أبناء هذه الأمة ورجالها، التي لم تزل تنافح وتكافح، تنصر الحق وتكبح جماح الباطل، وما يجري في الساحة العامة لدى أهل العلم والفكر، يجري على الساحة الخاصة عند أهل التصوف الإسلامي، فلم يزل رجاله الصادقون ينافحون ويكافحون، ينصرون الحق ويكبحون جماح الباطل، حتى عرفوا الناس بحقيقة الطريق، وأزاحوا عنه كل دخيل ولصيق..

المسلم : رسالة الوعي الإسلاميومن هؤلاء المجاهدين: العالم الرباني، سيدي أبو صالح عبد القادر الجيلاني ـ رحمه الله تعالى ورضي عنه ـ، فقد كان يخضع التصوف للفقه، ويبين أن العبرة إنما هي بالمجاهدة والعمل والإخلاص، والصدق في طلب الحق عز وجل، والزهد في الدنيا، وإخراج الخلق من القلب، وتجرده عما سوى مولاه عز وجل، كما نص على هذا في كتابه القيم (الفتح الرباني) (ص25).

وأما كتابه الذي نحن بصدد الحديث عنه، فقد كان معلماً من معالم التصوف السني، والإلهام الفيضي، إنه (فتوح الغيب) الذي أنار طريق الهداية، وقمع طرق الغواية، شعاره: « يا قوم اتبعوا ولا تبتدعوا، وحدوا ولا تشركوا »، فلا غنى لطالب الحقيقة عنه، وأول من يحتاج إليه أولئك الذين لا يعرفون من التصوف إلا اسمه، فنفرت منه نفوس بعضهم، وتعلقت به ـ دون دراية ـ نفوس آخرين.

لقد منّ الله تعالى على كاتب هذه السطور، بحب هذا الشيخ الجليل منذ الصغر، ووفقه لقراءة بعض كتبه، والتأثر بها، مما كان له الأثر الفاعل في وضوح رؤية الطريق، فكان يحاجّ به جهلة التصوف ومدعيه، فلما وقف على شرح ابن تيمية له، وثنائه على مؤلفه، وإعجابه البالغ به، حاجّ به ـ أيضاً ـ أعداء التصوف، الكارهين لاسمه، دون أن يفقهوا معناه!!

لقد بدأ أبو صالح ـ رحمه الله تعالى ـ حياته بالصدق، منذ أوصته أمه الصالحة به، وذلك عندما أزمع السفر إلى بغداد لطلب الفقه، وقال لها: يا أماه.. هبيني لله!! فبكت كثيراً ثم رضيت، وأذنت له بالسفر قائلة:

هذا وجه لن أراه إلى يوم القيامة!! وذلك لكبر سنها، وامتداد الرحلة، وطول زمن الفراق.

ثم أخرجت له ثمانين دينارا خلفها أبوه، فأبى إلا أن تقسمها بينه وبين أخيه، فجعلت الأربعين في كيس صغير وثبتت الكيس في فتحة كمه من ناحية إبطه ليكون أبعد عن أعين اللصوص، وودعته بوصية رائعة جاء فيها:

يا بني إياك أن تكذب، فإن المؤمن لا يكذب، يا بني كن صادقا أبداً، يا بني كن صادقاً أبداً كما ربيتك، فهذا هو أملي فيك!!

فنفذ الشيخ هذه الوصية، فصدق مع ربه عز وجل، ومع نبيه صلى الله عليه وسلم، ومع نفسه، ومع الناس.

وكان أول ثمار هذه الوصية: توبة اللصوص، وذلك: أن اللصوص عندما تعرضوا للقافلة بالسرقة، وجاءوا عند الفتى الصغير، قالوا مستخفين به: وأنت هل معك شيء يا غلام؟ قال: نعم، معي أربعون دنياراً، ـ وكانت مبلغا كبيراً ـ، فتعجبوا وقالوا: وأين هي؟ قال: هنا، وأشار إلى كمه، ففتحوه فوجدوها، فأخبروا رئيسهم، فقال له: ما الذي حملك على هذا؟ قال: وصية أمي، أوصتني أن لا أكذب، فسألتموني فأجبتكم، فقال: تصدق مع أمك، ولا نصدق مع ربنا، ردوا ما سرقتم إلى القافلة، ولنعلن توبتنا على يد هذا الشيخ الصغير!!

ومن ثمارها فيما بعد: كثرة منفعة الخلق، حتى قد أسلم على يديه أكثر من خمسة آلاف من اليهود والنصارى، وتاب على يديه من فسقة المسلمين وعصاتهم أكثر من مائة ألف، كما جاء في قلائد الجواهر (ص 19)، ولم يزل الناس ينتفعون بكتبه وطريقته ـ رحمه الله تعالى ورضي عنه ـ..

بهذا الصدق كان الشيخ يسير في طريق السلوك، وعلى هذا الصدق ربى تلاميذه ومريديه، وبه أوصى الناس، ونصحهم، وكان ذلك ديدنه في أقواله وأعماله وأحواله، ومن ذلك ما سطره في كتبه، فكان مناراً يضئ الطريق للسالكين، وعلما يهدي المرشدين والمسترشدين.

ومما يشكر لتلاميذه الذين يجهل التاريخ أسماء كثير منهم ـ كما في كتاب رجال الدعوة والفكر في الإسلام للندوي (ص282) ـ أنه لما استولى التتار على العالم الإسلامي قاموا يندسون في هؤلاء الغلاظ الشداد، يحببونهم بالإسلام ويدعونهم إليه، حتى أسلم جلهم أو كلهم، وأصبحوا حماة للإسلام بعد أن كانوا أعداءه!!

وبعد هذه المقدمة القصيرة، فلنتصفح الكتاب، باقتطاف شذرات من درره ـ كعادتنا في مثل هذا العرض المختصرـ، ثم نترك للقارئ الكريم التطواف في حديقته الغناء، والغوص في أعماق بحره واستخراج لؤلئه ودرره كما يشاء ومتى شاء.

ولنبدأ مع المقالة الأولى من مقالاته التي بلغت ثمانياً وسبعين مقالة، في كتابه المنوه به (فتوح الغيب)، وفيها يقول:

« لا بد لكل مؤمن في سائر أحواله من ثلاثة أشياء: أمر يمتثله، ونهي يجتنبه، وقدر يرضى به، فأقل حال للمؤمن لا يخلو فيها من أحد هذه الأشياء الثلاثة، فينبغي أن يلزم همها قلبه، وليحدث بها نفسه، ويأخذ الجوارح بها في سائر أحواله ».

وقد افتتح شرحها الإمام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالىـ بقوله (ص5): «قلت: هذا كلام شريف جامع، يحتاج إليه كل أحد، وهو تفصيل لما يحتاج إليه العبد… إلخ».

أقول: فأين بعض أتباع الشيخ وأحبابه، الذين تجاوزوا حدود الشرع في بعض تصرفاتهم، من هذه المقالة؟!!

ويقول في المقالة الثانية عشرة: «.. احذر لا يلهيك عن مولاك غير مولاك، وكل من سوى مولاك غيره، فلا تؤثر عليه غيره فإنه خلقك له، فلا تظلم نفسك فتشغل بغيره عن أمره، فيدخلك النار التي وقودها الناس والحجارة، فتندم فلا ينفعك الندم، وتعتذر فلا تعذر، وتستعتب فلا تعتب، وتسترجع إلى الدنيا لتستدرك وتصلح فلا ترجع، ارحم نفسك وأشفق عليها، واستعمل الآلات والأدوات التي أعطيتها في طاعة مولاك، من الفعل والإيمان والمعرفة والعلم.. إلخ».

وهي نصيحة جليلة في الوقوف عند حدود الله تعالى، والتسليم لأمره جل وعلا، وصدق المراقبة له، والحذر من الغفلة التي هي أكبر مصيبة على الإنسان، والتنبيه إلى التيقظ لذلك قبل فوات الأوان.

ويقول في المقالة السبعين: «كيف يحسن منك العجب في أعمالك، ورؤية نفسك فيها، وطلب الأعواض عليها؟ وجميع ذلك بتوفيق الله تعالى وعونه، وقوته وإرادته وفضله!! وإن كان ترك معصيته فبعصمته وحفظه وحمْيته!

أين أنت من الشكر على ذلك، والاعتراف بهذه النعم التي أولاكها؟ ما هذه الرعونة والجهل!

تعجب بشجاعة غيرك، وسخائه وبذل ماله…»!!

يشير الشيخ بهذا إلى قوله تعالى: (وَلَوْلا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ الله يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) (النور:21)..

ونتذكر هنا لطيفة حصلت للشيخ مع سكران عنده بقايا صحو، حيث قال للشيخ وهو قادم لصلاة الفجر: يا عبد القادر قل ليس بقادر!! فوضع الشيخ يده على رأسه وطأطأه وقال: بل قادر قادر قادر، ولكن (ذلك فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاء)(الجمعة:4)، ثم مضى فقصّ ذلك على تلاميذه، فقالوا: ماذا قال لك، وماذا قلت له؟ فقال: يقول لي: يا عبد القادر، أليس الله بقادر أن يجعلك مكاني ويجعلني مكانك!!، فقلت: بل أقول قادر، ولكن من فضله لم يجعلني كذلك.

فتأمل، إنه لم يزجر السكران، ولم يتجاهله، ولكن تيقظ إلى تنبيه إلهي عظيم، أجراه الله تعالى على يد ذلك السكران.

ولم يذكر هنا تعرض الشيخ للنهي عن المنكر، مع شدة الشيخ في ذلك وعدم تساهله ـ كما قال ابن كثير في صفته-: «.. وكان له سمت حسن، وصمت عن غير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، للخلفاء والوزراء والسلاطين والقضاة، والخاصة والعامة، يصدعهم بذلك على رؤوس الأشهاد ورؤوس المنابر وفي المحافل، ولا تأخذه في الله لومة لائم،..» ـ فلعله لعدم وعي السكران لذلك ـ والله تعالى أعلم ـ.

ولنختم بهذه الحكمة الجليلة لشيخنا الجليل أبي صالح ـ رحمه الله تعالى ـ.

«.. ليكن أكلك أكل مودع، ووجودك بين أهلك وجود مودع، ولقاؤك لإخوانك لقاء مودع، أوجد في قلبك: أنا مودع ».

تعليقات Facebook