{عدد المشاهدات: 94 }

بدء أمر رسول الله ﷺ

بدء أمر رسول الله ﷺ حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه

في رياض الحديث الشريف

بدء أمر رسول الله ﷺ

لأبي محمد الأزهري

عن العِرْبَاضِ بن سَارِيَةَ السُّلَمِيّ رضي الله عنه قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول:

إني عند الله في أولِّ الكتاب لَخاتَمُ النبيين وإنّ آدم لمنجدلٌ في طينته، وسأنبئكم بتأويل ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى قومه، ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نورٌ أضاءت له قصور الشام . قال: نعم .

تخريج الحديث:

هذا الحديث رواه الحاكم في المستدرك (2/656) بهذا اللفظ، وفي (2/453)، وصححه في الموضعين ووافقه الذهبي.

والحديث أخرجه أحمد في مسنده (4/127)، وابن حبان في صحيحه (14/315)، والطبراني في المعجم الكبير (18/252)، وفي مسند الشاميين (2/340، 3/133)، والبيهقي فى شعب الإيمان (2/134)، وفي دلائل النبوة (1/80)، والبزار في مسنده (2/124)، وابن سعد في الطبقات (1/149)، وأبو نعيم فى الحلية (6/89)، والخطابي في غريب الحديث (2/156)، والبخاري في التاريخ الكبير (6/68)، وغيرهم.

قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (8/223): رواه أحمد بأسانيد، والبزار، والطبراني، …، وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن سويد، وقد وثقه ابن حبان.

راوي الحديث:

العِرْبَاضُ بن سَارِيَةَ السُّلَمِيُّ، أبو نَجِيح، صاحب رسول الله ﷺ، وأحد أصحاب الصُّفّة التي بمسجد رسول الله ﷺ، ومن البكائين الذين نزل فيهم: ﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ﴾.

سكن حمص، وروى عن النبي ﷺ، وعن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، وروى عنه عددٌ من التابعين، توفي بالشام سنة خمس وسبعين من الهجرة.

شرح الحديث:

* قوله ﷺ: «إني عند الله في أول الكتاب لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدلٌ في طينته»:

جاء في رواية: «إنِّي عبدُ الله في أُمِّ الكتاب، وخَاتَمُ النبيِّين»، وفي رواية: « إنِّي عند الله لخاتم النبيين»، وفي رواية: « إنِّي عبدُ الله لخاتم النبيين»، وفي رواية: «إنِّي عند الله مكتوبٌ بخاتم النبيين»، وفي رواية: «إنِّي عبدُ الله وخاتم النبيين وأبي منجدلٌ في طينته».

وقد صحَّ عن ميسرة الفجر رضي الله عنه، قال: قلتُ: يا رسول الله، متى كتبتَ نبياً ؟ قال: « وآدم بين الرُّوح والجسد ». رواه أحمد (5/59)، وغيره. وفي بعض رواياته: «متى كنتَ نبياً ؟».

وروى الترمذي (5/585) وصححه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قالوا : يا رسول الله، متى وجبتْ لك النبوة ؟ قال: « وآدم بين الروح والجسد ».

قال السيد عبد الله الغماري: «وهذه الروايات متقاربة، والمراد به الإخبار بوجوب نبوته، أي: ثبوتها لروحه الشريفة المخلوقة قبل الأرواح، ورواية: «متى كتبت» معنى الكتابة فيها: الوجوب والثبوت في الخارج أيضاً، فإن الكتابة تستعمل فيما هو واجب ظاهر في الخارج، …، وحاصل المعنى: أن الله أفاض على روح نبيه الشريفة أو حقيقته المحمدية وصف النبوة في وقتٍ كان آدم لا يزال طريحاً على الأرض قبل نفخ الروح فيه، وإفاضة النبوة في هذا الوقت تستلزم تقدم خلقه على غيره كما هو ظاهر.

ولهذا جاء من طريق عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ [الأحزاب:7]، قال: «كنتُ أول النبيين في الخلق، وآخرهم في البعث، فبدأ به قبلهم». رواه ابن أبي حاتم وغيره، ورواه ابن سعد (1/149) عن قتادة مرسلاً بلفظ: «كنتُ أول النّاس في الخلق، وآخرهم في البعث».

قال المناوي في شرح الجامع الصغير (2/313)، ما نصُّه: «جعله الله حقيقةً تقصر عقولنا عن معرفتها، وأفاض عليها وصف النبوة من ذلك الوقت، ثم لمّا انتهى الزمان بالاسم الباطن إلى الظاهر، ظهر بكليته جسماً وروحاً ».

وفي حديث الإسراء من رواية أبي هريرة: «وجعلني فاتحاً وخاتماً» أي: فاتحاً لخلق الموجودات، وخاتماً لظهور النبوات، ولذا كان من أسمائه : (الفاتح، الخاتم)، وقد أجاد في تقرير هذا المعنى وإيضاحه الإمام الحافظ تقي الدين السبكي في رسالة «التعظيم والمنة في ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ﴾»، وهي مطبوعة في فتاويه.

وقال الطحاوي في مشكل الآثار (5222): «فإنه، وإن كان حينئذ نبياً، فقد كان الله تعالى كتبه في اللوح المحفوظ نبياً، ثم أعاد اكتتابه إيّاه في الوقت المذكور في هذا الحديث ، كما قال عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾ [الأنبياء:105]، وكان عز وجل قد كتب ذلك في اللوح المحفوظ ، ثم أعاد اكتتابه في الزبور المحزبة بعد ذلك ، فمثل ذلك اكتتابه عز وجل النبي عليه السّلام ، وآدم بين الروح والجسد ، بعد اكتتابه إيّاه قبل ذلك في اللوح المحفوظ أنه كذلك ».

* قوله: «وإن آدم لمنجدلٌ في طينته»:

لمنجدلٌ من الجدل، وهو الإلقاء على الأرض الصلبة، أي: والحال إنه مطروح على وجه الأرض صورة من طين ، لم يجر الله فيه الروح بعد.

* وقوله: « وسأنبئكم بتأويل ذلك: دعوة أبي إبراهيم »:

فإنه لما أخذ إبراهيم عليه السلام في بناء البيت دعا الله تعالى فقال: ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [البقرة: 129]، فاستجاب الله دعاءه عليه السلام، وبعث نبينا محمداً ﷺ .

* قوله: « وبشارة عيسى قومه »:

يعني قول الحقِّ تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾ [الصف:6] .

وقد بشّر الأنبياء به أقوامهم، ووردت البشارة به ووصفه في التوراة والإنجيل، وفي الكتب السابقة.

* قوله: « ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نورٌ أضاءت له قصور الشام »:

الظاهر أنها رؤيا بصر، لا رؤيا منام، ويحتمل أن تكون رؤيا منام.

وفي حديث خالد معدان (من خيار التابعين) عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا : يا رسول الله أخبرنا عن نفسك فقال: « دعوة أبي إبراهيم، و بشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له بُصْرَى، و بُصْرَى من أرض الشام ». رواه الحاكم (2/656) وصححه ووافقه الذهبي.

وفيه تحديد ما رأت من الشام، وهو أرض بُصْرَى، وفي رواية: «أضاءَتْ لهُ قصورُ بُصْرَى مِن أرضِ الشّام»، وهي من أول بقاع الشام التي دخلها الإسلام، فتحت صلحاً في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

ويُروى عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه، يقول: أخبرتني أمي قالت:

شهدتُ آمنةَ لمّا ولدتْ رسول الله ﷺ، فلما ضربها المخاض نظرت إلى النجوم تدلى حتى إني لأقول: لتقعن عليَّ، فلما ولدته خرج منها نورٌ أضاء له البيت الذي نحن فيه، والدار، فما شيءٌ أنظر إليه إلا نور . رواه الطبراني في الكبير (25/186).

هذا، واللهم صَلِّ وسلِّم وباركْ على سيِّدنا محمّد وعلى آله وصحبه ومن اتبع بإحسان إلى يوم الدِّين.

تعليقات Facebook