{عدد المشاهدات: 194 }

عذراً سيدي .. يا رسول الله : « هذا ما وصل إليه حالنا »

عذراً سيدي .. يا رسول الله

« هذا ما وصل إليه حالنا »

للعلامة المربي الدكتور محمد عبد الصمد مهنا

أستاذ القانون الدولي بجامعة الأزهر

المسلم : رسالة الوعي الإسلامي


– عذراً سيدي رسول الله ..

نحتفل بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم في عامٍ نتطلع فيه إلى بناء جديد، وقد نسينا أساس البناء الذي علمتنا يوم أن بدأت ببناء العبد المؤمن، الصالح الطائع، الواثق بما عند الله، المستعلي بقوة إيمانه ويقينه على سلطان الدنيا وبريقها اللامع، فأصبحنا اليوم نبني على أنقاض هدم الإنسان الذي تحطم باطنه، وأنهكته الدنيا، وحطمته المطامع.

– عذراً سيدي رسول الله ..

علمتنا الرحمة وأمرتنا بها، إذا قال الله تعالى فيك: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، وإذ قلت سيدي: «إن الله تعالى بعثني رحمة للناس كافة فأدوا عني رحمكم الله» رواه الطبراني، وإذ قلت: « والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تراحموا » فلما قالوا لك: كلنا رحيم يا رسول الله؟ قلت: «إنه ليس برحمة أحدكم خاصة، ولكن رحمة العامة رحمة العامة». رواه الحاكم في المستدرك.

فأصبحنا سيدي أعزة على أنفسنا، أذلة على أعداء دينك، وانتزعت الرحمة من قلوبنا، وحل محلها القسوة والعنف والأنانية، حتى عمي الأخ عن أخيه، وهو يموت جوعاً أو عرياً أو مرضاً، ولا يرى إلا نفسه ومصلحته فقط.

– عذراً سيدي رسول الله ..

علمت حكام أمتك الشفقة بالأمة والنصح لها، والأمانة معها، وأن الرائد لا يكذب أهله، إذ قلت: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا، فرفق بهم، فارفق به ». رواه مسلم.

– عذراً سيدي رسول الله ..

أوصيتهم سيدي بتقوى الله، وبالرحمة بالأمة، وبأن يعظموا كبيرهم، ويرحموا صغيرهم، ويوقروا عالمهم، وألا يذلهم، وألا يوحشهم فيكفرهم، وألا يغلق بابه دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم.

أوصيتهم سيدي بالحكم بين الناس بالقسط وإقامة العدل كما قال ربنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ﴾ الآية.

وقلت سيدي: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» رواه مسلم، وقلت لهم سيدي: «الإمام العادل لا ترد دعوته» رواه أحمد. وحذرت سيدي من بشاعة الظلم والظالمين وقلت: «لا تبغ ولا تكن باغياً، فإن الله تعالى يقول:﴿ إنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾» رواه البيهقي، وقلت: « أشد الناس عذاباً يوم القيامة إمام جائر» رواه الطبراني، وقلت صلوات الله وسلامه عليك: «صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي: سلطان ظلوم غشوم، وغال في الدِّين يشهد عليهم فيتبرأ منهم» رواه الطبراني وابن أبي عاصم في السنة.

وحذرت سيدي من أن دعوة المظلوم لا ترد، يرفعها الله فوق الغمام، وتفتح لها أبواب السماء ويقول الرب للمظلوم: « وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين» رواه الترمذي، وقلت سيدي: «لتؤدنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» رواه مسلم.

أوصيتهم يا سيدي يا رسول الله، وعلمتَهم، ونصحتَ لهم، وحذرتهم، وأوجبتَ عليهم، فإذا هم يستبدون بالنّاس ويحكمون بالهوى، ويشيعون في النّاس سيادة القوة وشريعة الغاب، ليصبح بأس الناس بينهم شديد، ويتوارى الأمن والأمان، ويروح الضعفاء، وتضيع العزة والكرامة في ظل ضياع العدالة والأمن، ويستشيطون غضباً، و«إذا استشاط السلطان تسلّط الشيطان » رواه أحمد، وإذا تسلط الشيطان توارت الحكمة وحكم الهوى، وإذا حكم الهوى كان سبباً في سفك الدماء وضياع الحقوق وإشاعة الفوضى في البلاد والعباد، ونسوا – سيدي رسول الله – ما حذرتهم منه، من أن « من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله عز وجل مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله » رواه ابن ماجه.

ومع ذلك، نجد من يجادل عن الباطل ويدافع عن الظلم، لا لإعلاء كلمة الحق والعدل، وإنما لإعلاء كلمة الحزب والتعصب الباطل، ونسوا ما قلتَه – سيدي يا رسول الله – في بشاعة التعصب الممقوت، والهوى الذي يهوي بصاحبه إلى الهلاك، بل ومنهم من يفتري على الله فتاوى يحرِّم فيها على المسلمين ما أحله الله من أجل دنياه.

ومشى منا فريق آخر بالخديعة والمكر والفسق في عرض الحقائق من أجل نصرة حزب على حزب، وسياسة على سياسة، وحكم على حكم، وقد نسوا ما قلته سيدي من أن المكر والخديعة في النار، ونسوا أن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، وشاعت الفوضى حتى لم يعرف القاتل فيم قَتل، ولا المقتول فيم قُتل، ونسوا ما حذرتهم منه «إن أشد الناس عتوا رجل ضرب غير ضاربه ورجل قتل غير قاتله ورجل تولى غير أهل نعمته فمن فعل ذلك فقد كفر بالله ورسوله لا يقبل منه صرف ولا عدل» رواه الحاكم.

وما حذرت منه سيدي حين قلت : «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، ولا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه، ولا بجريرة أخيه» رواه النسائي.

حذرتهم سيدي من التمادي في الخصام وقلت لهم «كفى بك إثماً ألا تزال مخاصماً» رواه الترمذي، فتمادوا في الخصام، وتمادوا في الفحش الذي أهلك من كان قبلهم، فالفحش يأمر بالبخل، ويأمر بالفجور، ويأمر بقطع الأرحام.

علمتنا – سيدي رسول الله – أن الشريعة ليست للتشفي، ولا هي زواجر وأوامر ونواهي فقط، إنما هي أخلاق وقيم ومبادئ وسلوك، وصياغة حياة، وحفظ للنظام من أجل إسعاد البشرية، فهذا رجل قد أصابته جنابة وبه جراح فاستفتى فأمروه أن يغتسل، فاغتسل فمات، فلما علمت سيدي رسول الله قلت: «قتلوه ؛ قاتلهم الله! ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنما شفاءُ العِيِّ السؤال!» رواه أبو داود، وهذه أخرى تهرع إليك سيدي رسول الله، بأنها أصابت حد الزنى فتعرض عنها مرة ومرات وتتمثل لها المخارج إلى أن أقيم عليها الحد بعد فطام وليدها، وإصرارها أن تطهر نفسها، فتقول عنها سيدي «لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى » رواه مسلم.

علمتنا – سيدي رسول الله – الرحمة والعدل مع الضعفاء من الشيوخ والمساكين والأرامل واليتامى، فقلت: «إن الله لا يقدِّس أمة لا يعطون الضعيف منهم حقه» رواه الطبراني. وقلت أن «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو الصائم نهاراً القائم الليل» متفق عليه، وقلت سيدي : «بئس الطعام طعام الوليمة، يدعى إليه الأغنياء ويترك المساكين، فمن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله » متفق عليه.

علمتنا – سيدي رسول الله – أن بناء المجتمعات لا يكون إلا ببناء الرجال، علمتنا كيف يكون الفقير قنوعاً، وكيف يكون الغنى سخياً، وكيف يكون التاجر صدوقاً، والعامل مخلصاً، والأجير أميناً، والقاضي عادلاً، والوزير نصوحاً، والرئيس تقياً.

قدمت لنا سيدي مثالاً، وبنيت لنا أنموذجاً لمجتمع يحكمه الحب والتعاطف والصدق والإخلاص والسلام والرضا والوفاء والصفاء والتزكية والإخاء والتعفف والكرم والجود والحكمة والقناعة والرضا.

فأصبحنا – سيدي رسول الله – في مجتمعات لا يؤمن أهلها إلا بالمادة والقوة، ولا يعنون إلا بإرضاء الذات والغرائز والشهوات، ولا يرون إلا الحياة الدنيا غايةً وهدفاً.

وأصبح الفرد مصدراً لشقاء الجماعة، والجماعة مصدراً لشقاء الفرد، فاجتمع فينا احتكار التاجر، وحسد الفقير، وحقد الثائر، وشح الغني، وخمول العامل ، ومراءاة الموظف، وغش المسئول، ونهب السلطان، وخيانة الأجير، واختلاس الخازن، وتسلط الوزير، واستئثار السلطان، وهوى المشرع، وانحراف القاضي، وبطش الوالي.

لا أشكوا إليك سيدي زماننا، فالعيب فينا، ولكني استشفع بك يا سيدي في مولدك، وأتوجه بك إلى ربِّنا سبحانه في هدايتنا إلى الحق وإلى الطريق المستقيم.

والصلاة والسلام عليك يا سيدي يا رسول الله في ذكرى مولدك، ورحمة الله وبركاته.

===============
(*) نشر بمجلة (المسلم)، السنة (56)، العدد (3)، ربيع الأول 1434 هـ، يناير – فبراير 2013 م.

تعليقات Facebook